مقامرة أردوغان الأخيرة! – سما الإخبارية

إنه انقلاب صريح على الديمقراطية يصعب تسويغه، أو ادعاء عكسه.
في توقيته وسياقه وأسبابه المباشرة بدا اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بالطريقة التى جرت بها انقلاباً منذراً بتداعياته على مستقبل الديمقراطية التركية وأدوارها في محيطها وعالمها.
وفق استطلاعات الرأي العام فإنه المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة (2028)، التي يفترض بنصوص الدستور ألا يسمح للرئيس الحالي رجب طيب أردوغان بالترشح فيها.
تعديل الدستور سيناريو محتمل، والانتخابات المبكرة عام 2027 سيناريو محتمل آخر لتجاوز العائق الدستوري، الذي يسمح في هذه الحالة بترشح الرئيس لدورة ثالثة بالتحايل.
سواء عدل الدستور، أو أجريت انتخابات مبكرة فإن أكرم أوغلو الأقرب إلى ربحها بغض النظر عمن يترشح أمامه باسم الحزب الحاكم، أردوغان، أو من يختاره.
كانت تلك سردية حزب الشعب الجمهوري، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك بعد إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية، في مواجهة سردية أخرى غير متماسكة وغير مقنعة لحزب «التنمية والعدالة، الذي أسسه «أردوغان» متبنياً خطاً محافظاً حاول أن يزاوج فيه بين الإسلام السياسي والعلمانية الأتاتوركية.
وفق السردية الرسمية فإن القضية جنائية لا سياسية، التهم تنسب إليه فساداً في إدارة بلدية إسطنبول والاتصال بحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في الخطاب التركي.
يستلفت الانتباه أن ذلك الاتهام يناقض ما تجريه الرئاسة التركية من مفاوضات وحوارات شبه معلنة مع زعيمه عبدالله أوجلان بهدف تفكيك قوته العسكرية ودمج الأكراد في البنية السياسية للبلد. تهم الفساد قد تصح أو لا تصح، هذه مسألة تحقيق وإسناد بالأدلة.
السؤال هنا: لماذا لا تفتح ملفات التجاوزات المالية في البلديات كلها، الموالية والمعارضة على قدم المساواة، بدلا من أن تستخدم الاتهامات المرسلة لتصفية الخصومات السياسية؟
فوق ذلك كله ما مسوغ اقتحام أعداد كبيرة من قوات الأمن منزل أكرم أوغلو في الصباح الباكر وتفتيش كل ركن فيه بحثاً عن أي دليل يدينه. نحن نتحدث عن مئات الضباط والجنود.
بأثر الصورة السلبية للغاية التي لحقت بـأردوغان نفى صلته بالطريقة التي اعتقل بها أكرم أوغلو، كما لو كان زعيماً للمافيا التركية لا رئيساً لأكبر وأهم بلدية في البلاد. لم يكن هناك تسويغ آخر لاتساع حجم الاعتقالات السياسية لتشمل نحو 100 آخرين من دائرة مقربيه. إنه تعمد الترويع والإهانة.
أدانت طريقة الاعتقال المنظمة الحقوقية الدولية «هيومان رايتس ووتش» ودوائر أوروبية سياسية واسعة ووصفتها بأنها حملة قمع. المعارضة استشعرت أنها مستهدفة في أدوارها ومستقبلها، وأن القواعد الديمقراطية على وشك الانهيار.
نشبت احتجاجات شعبية في شوارع إسطنبول رغم منع التظاهر لأربعة أيام لتحجيم رد الفعل.. وتهاوت الليرة التركية بمعدلات غير مسبوقة.
ساعدت الكلمات الأخيرة، التي سجلها رئيس بلدية إسطنبول قبل اعتقاله مباشرة، في إلهام الاحتجاجات: «لن أتراجع… سأسلم نفسي للشعب، وأقف شامخاً».
الأزمة في أولها ويصعب توقع تداعياتها على مستقبل تركيا. إنها مقامرة سياسية بالمعنى الكامل. إذا أغلقت المنافذ السياسية تتقوض الشرعية ويصبح كل شيء محتملاً ووارداً.
لم يكن ما حدث مفاجئاً تماماً، فقد توالت الإشارات بالسنوات الأخيرة واحدة إثر أخرى أن تركيا توشك على دخول أزمة سياسية عميقة. في الانتخابات البلدية الأخيرة، عام 2024، فارقت نتائجها أية توقعات وتكهنات مسبقة بأن يكتسحها أردوغان، كما العادة حيث لم يخسر أي استحقاق انتخابي منذ صعوده إلى السلطة عام 2003 رئيساً للوزراء ثم رئيساً للجمهورية بصلاحيات واسعة بعد تعديل الدستور.
لأول مرة حلّ «العدالة والتنمية» ثانياً بعد غريمه التاريخي «الشعب الجمهوري». لم يقدر الحزب الحاكم على حصد أية بلدية كبرى، أو استعادة أية بلديات فاز بها حزب الشعب الجمهوري في عام 2019.
كانت إعادة انتخاب أكرم إمام أوغلو في إسطنبول لطمة هائلة لأردوغان ورسالة إلى المستقبل المنظور، إنه قد يكون الرئيس التركي في أول انتخابات رئاسية مقبلة. أردوغان نفسه صعد إلى السلطة من موقعه رئيساً لبلدية إسطنبول. باعترافه هو نفسه فإن الهزيمة الانتخابية بالانتخابات البلدية «نقطة تحول».
كان ذلك تصويتاً عقابياً على خلفية الأزمة الاقتصادية والحرب على غزة حيث استحكمت الأولى وتعرضت سياساته في الثانية إلى انكشاف غير مسبوق.
لم ينتظر أردوغان أي مواجهة مع المنافس الشاب في صناديق الاقتراع. استخدم سلطة الدولة في إلغاء شهادته الجامعية بحجج إدارية واهية بعد 35 عاماً من الحصول عليها في جامعة إسطنبول، حيث لا يكون ممكناً الترشح الرئاسي، على ما يقضي النص الدستوري.
إقصاء المرشحين الأقوياء المحتملين يصادر حق الاختيار الديمقراطي من المنبع. كان ذلك انقلاباً على إرث أردوغان نفسه.
في السنوات الأولى بدت إسطنبول مدينة عصرية منفتحة على عالمها ولديها آمال واسعة في بناء قوة اقتصادية كبيرة وتحسين مستويات شعبها.
تزاوجت الأوضاع الداخلية الملائمة والأحوال الإقليمية المتغيرة بعد احتلال العراق 2003 في بناء قوة دفع لدور تركي جديد يعتمد على قوتها الناعمة قبل أي شيء آخر، غير أن الرهانات على «العثمانية الجديدة» سرعان ما تقوضت ودخلت تركيا في حزام من المشاكل والأزمات مع دول عربية عديدة ومؤثرة، كأنها انتقلت فجأة من شعار «صفر مشاكل» إلى أحوال «كل المشاكل».
في لحظة صعود محتمل للدور التركي كقوة إقليمية مؤثرة في حساباته وموازين القوى فيه إثر سقوط دمشق تبدت هشاشة أوضاعه الداخلية وأن مستقبل أردوغان نفسه بات في مهب عواصف المتغيرات.
إنها مفارقة تراجيدية في مقامرة أردوغان الأخيرة.