اخبار

بحاجة إلى تقييم شامل للمرحلة..

مع قرب انتهاء الحرب، وبدء مرحلة جديدة، نحن بأمس الحاجة لإجراء عملية تقييم شاملة للمرحلة الراهنة، بقراءة نقدية موضوعية بعيدة عن المناكفات والتصنيفات وتصفية الحسابات وإطلاق الأحكام.. فإذا كان البعض يهاجم أي انتقاد بمقولة «ليس أوانه»، «ونحن في حالة حرب».. فهذه الحجة لم تعد مبررة، بل إن أصحابها مدعوون للمشاركة في التقييم والنقد.. مع الأخذ بعين الاعتبارات ثلاث نقاط:
الأولى: تقييم «طوفان الأقصى»، وما نجم عنه ليس مفصولاً عن تقييم المراحل التي سبقته، ولا عن المرحلة القادمة وتداعيات العدوان بعيدة الأمد.. فهي عملية تاريخية متصلة، ولا تجوز قراءتها بانتقائية.
الثانية: نتائج «الطوفان»، أو العدوان ليست مقتصرة على غزة، أو على حماس، بل هي تمس الكل الفلسطيني، في الضفة والداخل والشتات، الآن ومستقبلاً، وتؤثر بشكل مباشر على القضية الفلسطينية برمتها.
الثالثة: لا جدال في حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، وأنه طالما هنالك احتلال ستكون مقاومة.. الموضوع يتعلق بالتكتيكات وتقدير الموقف والأسلوب الأمثل، والاستعدادات.
حالة اللاحرب واللاسلم التي سادت الساحة الفلسطينية قبيل «الطوفان»، لم تعد قابلة للاستمرار، خاصة أن إسرائيل ظلت تواصل فرض الحقائق على الأرض، بالاستيطان والتهويد، والحصار، وإغلاق محكم لأي أفق سياسي، مع تعنت وتجاهل كامل للقضية الفلسطينية، وهذا السكون لا يمكن له أن يستمر طويلاً.. ولا بد من كسره وتغييره.
لم تحقق سياسات السلطة منجزات كبيرة ممكن أن تكون مرضية ومقنعة للفلسطينيين، فقد تعثر مشروع السلام، وتوقفت المفاوضات، وظلت السلطة تراهن على حلول سياسية ووعود أميركية، وتجنبت أي تصعيد عسكري في الضفة الغربية، واستعاضت عنه بالمقاومة الشعبية، دون اتخاذ خطوات جدية لتطويرها وتصعيدها.. أما جماهير الضفة، فقد ظلت تمارس المقاومة بالقدر المتاح (أكثرها حالات فردية)، ولم تصل بها إلى درجة الانتفاضة الشعبية الشاملة، وهذه أيضاً لها أسبابها الموضوعية المانعة والمعيقة.
أما «حماس»، فقد وصلت إلى درجة ضاغطة حتّمت عليها اتخاذ الخطوة الجريئة، وملء الفراغ، فالطبيعة لا تقبل الفراغ.
لكن هذا الفراغ ملأته بطريقة مدوية وارتجالية، فقد تبين أن قرار «الطوفان» اتخذته قيادة القسام منفردة، ودون تنسيق مع القيادة السياسية للحركة، وحتى دون علمها، ودون علم أقرب حلفائها (الجهاد، حزب الله، إيران..).. وحتى لا نحمل قيادة القسام المسؤولية وحدها، يجدر الرجوع إلى جذور المسألة، وتحديداً إلى نقطة انطلاقة حماس ذاتها.
وللاختصار، ودون تفاصيل، أهم ما في انطلاقة حماس أنها طرحت نفسها منذ البداية بديلاً عن فتح، وعن منظمة التحرير، وأتت من خارج نسق الحركة الوطنية الفلسطينية، وهذا ليس اتهاماً بوطنيتها، بل المقصود أن خطابها، وأسلوبها، ورؤيتها، وأجنداتها، وتحالفاتها ظلت طوال الوقت خارج الإجماع الوطني المتمثل في منظمة التحرير وفصائل الحركة الوطنية.
في الانتفاضة الأولى رفضت حماس الانضمام للقيادة الوطنية الموحدة، بخطاب وأولويات وأساليب خارج نسق الانتفاضة الشعبية، التي لم تعاد الحركة الناشئة، حرصاً منها على الوحدة الوطنية، وعلى مكتسبات الانتفاضة.
وفي الانتفاضة الثانية انفردت بأسلوب العمليات التفجيرية والتي استهدفت في أكثرها المدنيين، وجاءت بعد أحداث 11 أيلول، ما سهل على إسرائيل وأميركا جعلها قريناً بالإرهاب، وهذه كانت من بين أسباب عديدة لإخفاق الانتفاضة في تحصيل مكتسبات سياسية أسوة بسابقتها.
بعد انسحاب إسرائيل من غزة 2005، بدأت حماس تمهد الطريق لسيطرتها الكاملة والمنفردة على القطاع، ما تم في صيف 2007، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الأبرز الانقسام، ولا حاجة لنا بالتذكير بمساوئ الانقسام وأثره الهدام على القضية الفلسطينية.
ثم جاءت هجمات 7 أكتوبر بتنظيم هجوم واسع النطاق متعدد الجبهات، وبأعداد كبيرة من المقاتلين، استهدف اقتحام مراكز عسكرية للعدو، واقتحام مستوطنات وأخذ أسرى، باستخدام عنصر المفاجأة. وهو أسلوب غير مسبوق، وغير معهود لا في ممارسات حماس السابقة، ولا ممارسات الحركة الوطنية الفلسطينية، ويمكن القول إنه أسلوب غير معهود حتى في الثورات العالمية التي تبنت حرب العصابات. فهو بمثابة إعلان حرب.
ما يعنينا أن الهجمات استدعت ردة فعل عنيفة من إسرائيل، تمثلت بإعلان الحرب، التي امتدت 15 شهراً، تسببت باستشهاد وإصابة نحو مائتي ألف فلسطيني، أغلبيتهم مدنيون، وتدمير شامل ومخيف للقطاع.. لدرجة أن حماس نفسها أعلنت عن غزة منطقة منكوبة.
سياسياً، تمخض العدوان عن نتائج كارثية تمثلت في الآتي:
عودة القضية الفلسطينية إلى مربعها الأول، أي مرحلة ما بعد النكبة باعتبارها قضية إنسانية (لا سياسية ووطنية)، فالعالم يتحدث عن توزيع مساعدات، وإغاثة، وتحديد أعداد الشاحنات، ونوعية المواد المطلوبة، وإزالة الأنقاض، وإعادة الإعمار.. وهذه المسائل استحوذت على الجزء الأكبر من طرح القضية.
عودة الفلسطيني إلى زمن التشرد والنزوح والخيام والاعتماد على كرت التموين وكوبونات المساعدات والتكايا والوقوف في طوابير الذل والمهانة. أما حق العودة فصار أبعد، بل حلت محله عودة شبح التهجير، ونفي الشعب مرة ثانية إلى دول الشتات.
العودة إلى زمن الوصاية والإنابة (بما يشبه المرحلة التي سبقت انطلاقة الثورة وتأسيس منظمة التحرير) فالمفاوضات التي تجري حول الرهائن والأسرى، وحول الانسحابات، والمعبر، ومن يحكم غزة، ومن يعيد إعمارها، ومستقبل القضية، ومصير السلطة، ومصير الضفة الغربية والقدس.. كلها لم تعد بيد الفلسطينيين، من يفاوض باسم الفلسطينيين هم قطر ومصر وتركيا والولايات المتحدة.. والفلسطيني مجرد شاهد.
وبحسب تعبير د. تيسر عبد الله من غزة: «تداعيات الحرب جعلت الفلسطيني في أسوأ وأضعف حالاته، وجعلت المنطقة جاهزة لكل المشروعات التصفوية التي كنا نستطيع رفضها سابقاً. الاحتلال أعاد سيطرته على غزة؛ مسح بيوتها ومبانيها عن وجه الأرض، وجعلها غير صالحة للحياة. قتل سكانها ومن نجوا أصبحوا مشردين يبحثون عن مأوى وطعام. دمر «محور المقاومة»، وأنهى حزب الله، واستبدل النظام السوري، وجعل إيران تنكمش خوفاً على نفسها، ونقل الاحتلال تجربته وروايته في التدمير إلى مخيمات الضفة الغربية التي يسحقها الآن، جعل دول الطوق في حال الدفاع عن النفس. كل دولة تحاول النجاة بنفسها والتهرب من استحقاقات المرحلة، ودول أخرى صارت أقرب للتطبيع، والسلطة الوطنية في أضعف حالاتها».
كل هذا يستدعي منا على الأقل وقفة مراجعة وتقييم، والبحث عن خلاص وطني.. لا نريد توزيع اتهامات، نريد أن يتحمل كل طرف مسؤوليته الوطنية والتاريخية بشجاعة، وعلينا جميعاً أن نعود إلى مصادر قوتنا الحقيقية ونتمسك بها، لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، والتصدي للمؤامرة الدولية الخطيرة التي تستهدف وجودنا ومصيرنا وقضيتنا.. وأهم مصدر لقوتنا كان دائماً هو الشعب نفسه، بوحدته وتماسكه ووعيه، وإيمانه بقضيته، وتشبثه بأرضه، وقناعتنا جميعاً بأن لا أحد ولا فصيل بمفرده يمكنه مواجهة كل هذه التحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى