اخبار الإمارات

حلف «الناتو» وأهدافه في أوروبا

ت + ت الحجم الطبيعي

قادة حلف «الناتو» الذين اجتمعوا في فيلنيوس ليتوانيا، الأسبوع الماضي، لديهم كل الأسباب للتباهي بنجاحهم. قبل أربع سنوات فقط عشية قمة أخرى، بدا «الناتو» في حالة صعبة، وعلى حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كان الحلف يمر بحالة من «الموت الدماغي». ومنذ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تغير الوضع. ويفي حلفاء الاتحاد الأوروبي أخيراً بوعود طال انتظارها لزيادة الإنفاق العسكري.

لم يكن «الناتو»، منذ نشأته، معنياً بشكل أساسي بتجميع القوة العسكرية، إذ لم يكن ممكناً الاعتماد على 100 فرقة في ذروة الحرب الباردة في صد غزو سوفييتي، كما أن الأسلحة النووية في القارة كانت تحت سيطرة واشنطن.

وبدلاً من ذلك، شرع الحلف في ربط أوروبا الغربية بمشروع أوسع بكثير لنظام عالمي تقوده الولايات المتحدة، حيث كانت الحماية الأمريكية بمثابة رافعة للحصول على تنازلات بشأن قضايا أخرى مثل التجارة والسياسة النقدية.

وبعد انهيار منافسه في الحرب الباردة (الاتحاد السوفييتي)، توقع مراقبون أن يغلق «الناتو» أبوابه، لكنه في العقد الذي تلا 1989 أصبح أداؤه ناجحاً للغاية، إذ مثل الحلف وكالة تصنيف للاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية، معلناً أن هذه الدول آمنة للتنمية والاستثمار، ودفع الشركاء المحتملين إلى الالتزام بالليبرالية.

وكانت جمهورية التشيك حالة معبرة. ففي مواجهة احتمال التصويت بـ «لا» في استفتاء الانضمام إلى الحلف عام 1997، رأى الأمين العام وكبار مسؤولي «الناتو» إمكانية استغناء الحكومة في براغ عنه، وانضمت بعد ذلك بعامين.

وجلب القرن الجديد المزيد من الشيء نفسه، مع تحول في التركيز. بالتزامن مع الحرب العالمية على الإرهاب، و«الانفجار الكبير» في توسع «الناتو» عام 2004، مع انضمام سبع دول – شهد الحلف تغليب مكافحة الإرهاب محل الديمقراطية وحقوق الإنسان في خطابه. أما في مجال الدفاع، فلم يكن الحلف يروج لذلك بالقدر نفسه. لعقود من الزمن، كانت أمريكا المزود الرئيسي للأسلحة واللوجستيات والقواعد الجوية وخطط القتال. وعلى الرغم من كل الحديث عن نهوض أوروبا، تركت الحرب في أوكرانيا عدم التماثل ذاك من دون مساس.

ويتضح أن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 47 مليار دولار خلال السنة الأولى من الصراع، أكثر من ضعف ما قدمته دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة. وبعد أكثر من عام من إعلان برلين عن إنشاء صندوق بقيمة 110 مليارات دولار لقواتها المسلحة، يبقى الجزء الأكبر من الاعتمادات غير مستخدمة.

ومهما كانت مستويات الإنفاق، من اللافت للنظر مدى ضآلة القدرات العسكرية التي يحصل عليها الأوروبيون للنفقات. ويحد الافتقار إلى التنسيق، بقدر الحرص الشديد على عدم إنفاق المال، من قدرة أوروبا على ضمان أمنها. ومن خلال منع ازدواجية القدرات وحث الحلفاء على قبول أدوار متخصصة، أعاق «الناتو» ظهور أية قوة أوروبية قادرة على العمل المستقل. وللمفارقة يبدو أن الحلف أضعف قدرة الحلفاء على الدفاع عن أنفسهم.

ومع ذلك، هذه مفارقة سطحية لا غير. وفي الواقع، ينفذ «الناتو» تماماً ما وضعه مخططو الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب، ما يدفع أوروبا إلى الاعتماد على القوة الأمريكية، ما يقلل إمكانية المناورة لديها. ويضمن «الناتو» نفوذ أمريكا في أوروبا بثمن رخيص، إذ تمثل مساهماتها في الحلف وبرامج المساعدة الأمنية الأخرى في أوروبا جزءاً صغيراً من الميزانية السنوية لـ «البنتاغون»، أقل من 6% وفقاً لتقديرات حديثة، وما فعلته الحرب هو تقوية يد أمريكا.

قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ذهب ما يقرب من نصف الإنفاق العسكري الأوروبي إلى الشركات المصنعة الأمريكية، وأدى الطلب المتزايد إلى تفاقم هذا الاتجاه مع اندفاع المشترين للحصول على الدبابات والطائرات المقاتلة وأنظمة الأسلحة الأخرى، ما أدى إلى إبرام عقود مكلفة ومتعددة السنوات. وربما يجري إعادة تسليح أوروبا لكن أمريكا تجني الثمار.

وفي أوكرانيا، فإن النمط واضح. ستوفر واشنطن الأمن العسكري، وتستفيد شركاتها من وفرة أوامر التسلح الأوروبية، بينما سيتحمل الأوروبيون تكلفة إعادة الأعمار بعد الحرب، وهو أمر من الأفضل لألمانيا تحقيقه من تعزيز جيشها. وتعد الحرب أيضاً بمثابة بروفة لمواجهة الولايات المتحدة مع الصين، حيث لا يمكن الاعتماد على الدعم الأوروبي بسهولة. ومع ذلك، عشية زيارة واشنطن في نهاية يونيو، أعلن وزير الدفاع الألماني عن وعيه بـ «المسؤولية الأوروبية عن المحيطين الهندي والهادي» وأهمية «النظام الدولي القائم على القواعد» في بحر الصين الجنوبي.

ظل «الناتو» موضع جدل في التسعينيات عندما شجع اختفاء خصمه أفكار بناء بنية أمنية أوروبية جديدة. واليوم أصبح صوت المعارضة منخفضاً أكثر من أي وقت مضى. والأحزاب اليسارية في أوروبا المنتقدة تاريخياً للنزعة العسكرية والقوة الأمريكية مجندة بأغلبية ساحقة في الدفاع عن الغرب. ولا يحتاج أنجح حلف في التاريخ إلى الانتظار حتى الذكرى السنوية الـ75 لتأسيسه للاحتفاء بنفسه.

ترجمة: نهى حوّا

* مؤرخ أمريكي ومؤلف كتاب «سياسة الناتو: الحلف الأطلسي منذ الحرب الباردة»

نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى