السندات والصكوك الخضراء.. تمويل مستدام لتحقيق الحياد المناخي

ت + ت الحجم الطبيعي
كثّفت دولة الإمارات جهودها في مواجهة تداعيات التغير المناخي وحماية البيئة، عبر عمل مؤسسي ممنهج شمل جميع المجالات، سعياً للوصول إلى متطلبات الاستدامة وتحقيق الحياد المناخي وتقليل الانبعاثات، ضمن سلسلة متواصلة من المبادرات والقرارات على مدى السنوات الماضية.
حققت من خلالها الريادة في مجال العمل المناخي، لا سيما وهي تستعد لاستقبال العالم في مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «مؤتمر الأطراف COP28» الذي يُعقد خلال الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر من العام الجاري في مدينة إكسبو دبي. ويعد التمويل المستدام إحدى أبرز المحطات في سجل الإمارات الهادف إلى ترسيخ الحلول الصديقة للبيئة.
حيث حققت الدولة في هذا المجال إنجازات نوعية وقطعت شوطاً كبيراً على مدى سنوات طويلة، حتى أصبحت من أنشط دول المنطقة في عمليات إصدار الصكوك والسندات الخضراء، واضعة هدفاً استراتيجياً يتمثل في التحوّل إلى مركز عالمي للاستدامة عبر إيجاد حلول مبتكرة تساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، لضمان مستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة.
وأظهرت دولة الإمارات التزامها الراسخ تجاه مبادرات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية المستدامة، من خلال استخدامها مجموعة متنوعة من الأدوات المالية المستدامة. وساهمت الكيانات الرئيسية بشكل كبير في دفع إجمالي المساهمات المصنفة في مجال الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في الإمارات، حيث بلغت هذه المساهمات 9.45 مليارات دولار، وهو ما يؤكد التزام المنطقة بالتمويل المستدام ودورها الحيوي في معالجة تحديات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية على المستوى العالمي، وذلك بالإضافة إلى العديد من المبادرات الأخرى.
وظهرت آثار اهتمام حكومة دولة الإمارات بتعزيز الحلول التمويلية المستدامة في كثير من المبادرات عبر إصدار السندات والصكوك الخضراء وتشجيع القروض التمويلية الصديقة للبيئة حتى وصل حجم سوق الصكوك والسندات والقروض الخضراء في الدولة خلال السنوات الماضية إلى ما يقارب 17 مليار دولار أي ما يعادل 62.44 مليار درهم.
وتنسجم جهود الإمارات في مجال الحلول التمويلية المستدامة وإصدار الصكوك والسندات الخضراء مع أهداف محور «الطريق نحو تحقيق الحياد المناخي» ضمن حملة «استدامة وطنية» التي تم إطلاقها مؤخراً تزامناً مع الاستعدادات لاستضافة «مؤتمر الأطراف COP28».
مبادرات
وتعدّ جهود التمويل المستدام والصكوك الخضراء في دولة الإمارات سلسلة متصلة من المبادرات ذات الطابع العالمي التي تستشرف آفاق الحلول التمويلية الصديقة للبيئة، وتضع الاستراتيجيات والخطط التي تضمن استقطاب رأس المال لإيجاد حلول مبتكرة لمكافحة آثار التغير المناخي.
وخلال الأعوام الماضية رسخت الدولة مكانتها في ميدان حلول التمويل الخضراء، حيث بدأت بإحداث تغيير جوهري في قطاع التمويل وتأسيس شراكات استراتيجية مع أهم المؤسسات الوطنية العاملة في مجال الاستثمار والتمويل، علاوة على وضع السياسات والأطر التنظيمية الملائمة لتحفيز القطاع الخاص على المشاركة بصورة أكبر للاستثمار في المشاريع الخضراء.
وتنوعت المبادرات التي تبنتها دولة الإمارات خلال الفترة الماضية في مجال التمويل المستدام، وكان من أبرزها إعلان أبوظبي للتمويل المستدام في عام 2019، الذي أضاف دعامة أخرى إلى جهود الدولة الهادفة إلى تشجيع الاستثمار في الحلول المالية المستدامة من خلال الصكوك والسندات الخضراء.
ووصل عدد الجهات التي انضمت إلى «إعلان أبوظبي للتمويل المستدام» منذ إطلاقه إلى أكثر من 117 عضواً، حيث يعمل الأعضاء على إنشاء قطاع تمويل مستدام مزدهر إضافة إلى عقد حوار بناء على مستوى القطاع محلياً ودولياً، الأمر الذي يرسي أسس قطاع التمويل المستدام بما يدعم جهود الدولة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
إطار التمويل المستدام
وفي عام 2021 اتخذت سياسة السندات والصكوك الخضراء منحى بارزاً تجلّى في «الإطار الوطني للتمويل المستدام 2021» الذي يعد إطاراً تنظيمياً للصناديق والمحافظ الخضراء والخاصة بالتحوّل المناخي، والسندات والصكوك الخضراء المرتبطة بالاستدامة، الأمر الذي شكّل خطوة هامة لتوجيه رؤوس الأموال لتمويل مشاريع التحول نحو الحياد المناخي.
حيث أعلن سوق أبوظبي العالمي، خلال العام الجاري، عن بدء تطبيق الإطار التنظيمي للتمويل المستدام، والذي يعزز مكانة السوق كمركز رائد للتمويل المستدام وبيئة محلية لأنشطة التمويل المستدام.
وتعتبر استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، إحدى أبرز المبادرات التي تبنتها دولة الإمارات خلال الفترة الماضية في مجال التمويل المستدام، والتي تهدف لإنتاج 75 في المائة من احتياجات دبي من الطاقة من مصادر نظيفة بحلول عام 2050.
وتضمنت الاستراتيجية خمسة مسارات رئيسية هي البنية التحتية، والبنية التشريعية، والتمويل، وبناء القدرات والكفاءات، وتوظيف مزيج الطاقة الصديق للبيئة.
وارتبط مسار التمويل بإيجاد حلول تمويلية للاستثمار في مجال البحث والتطوير المرتبط بالطاقة النظيفة وتطبيقاتها، حيث اندرج تحت هذا المسار إنشاء «صندوق دبي الأخضر» بقيمة تصل إلى 100 مليار درهم، والذي سيساهم من خلال موارده المالية في توفير قروض ميسرة وأدوات تمويلية لمستثمري قطاع الطاقة النظيفة في الإمارة وبنسب فائدة مخفضة.
اجتماع الطاولة المستديرة
وتم بعد ذلك إطلاق إعلان دبي للتمويل المستدام خلال اجتماع الطاولة المستديرة الـ 14 لمبادرة التمويل لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP FI.
والذي عقد بدبي في أكتوبر 2016، بهدف إبراز جهود دولة الإمارات في مجال الاستدامة والتزامها بدعم تحوّلها نحو اقتصاد أخضر ومستدام من خلال إقامة شراكات إستراتيجية مع مؤسسات التمويل الهادفة لإحداث تغيير جذري، ومساعدة المنظمات التي تساهم بنشاط في إيجاد حلول مبتكرة لمواجهة آثار التغير المناخي.
التزام
وتأتي أهمية التمويل المستدام في دولة الإمارات تأكيداً لالتزامها بدعم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، حيث استطاعت المنهجية الاستباقية لخطط حكومة الإمارات رسم ملامح هذا القطاع بأدوات مرنة قابلة للتطبيق، ومبادرات حققت في مجموعها مستهدفات الدولة في الوصول إلى الحياد المناخي، وتشجيع الاستثمار والتمويل في المشاريع الصديقة للبيئة.