اخبار

السياسة .. مسؤولية حياة ..د. إياد أبو الهنود

في ظل تواصل حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في غزة، تدار النقاشات في بعض الدوائر بطريقة تأخذنا إلى مربع الغيبيات وإنكار الواقع، بدل الانطلاق من حقائق المأساة التي نعيشها، يُستحضر الماضي بأمثلة لا تنطبق على حاضرنا، وتُرفع شعارات دينية لتبرير الفشل وتخفيف وقع الكارثة، فيما المطلوب رؤية صريحة وواقعية تضع حياة الناس وكرامتهم في المقدمة.

غزة تعيش اليوم أفظع حرب إبادة في تاريخها، آلة الاحتلال الإسرائيلي، المدعومة من الإدارة الأمريكية، تفتك بالناس والحجر والشجر، لتترك شعباً أعزل يواجه الموت يومياً، وفي ظل هذا المشهد، لا تُدار المعركة في الميدان فقط، بل أيضاً في السياسة والمفاوضات، حيث يظهر عجز من يمسكون بزمام الأمور المسيطرين على غزة بعدما ربطوا قرارهم بتنظيمات خارجية ومحاور إقليمية نزعت عنهم القدرة على اتخاذ موقف وطني مستقل، وهم يتأرجحون بين دور “ساعي البريد” الذي ينقل الرسائل دون قدرة على صياغة موقف، وبين أسرٍ لأيديولوجيا مغلقة تعيش حالة دائمة من إنكار الواقع.

الأيديولوجيات الدينية بطبيعتها تميل إلى تطويع النصوص وتأويلها وفق مساراتها، رافضة الاعتراف بالخطأ أو مراجعة التجربة، حتى لو كان الثمن مزيداً من الدماء والمعاناة.

والأخطر أن هذا العجز يتغذى على شعارات مثل: “الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، هذا الشعار، وإن بدا عاطفياً، يحمل خطراً عميقاً، إذ يحوّل الضحايا إلى أرقام عابرة في تبرير غيبي، ويجعل الاستهانة بالحياة أمراً عادياً، بينما جوهر الدين ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقومان على تعظيم قيمة الحياة، وعمارة الأرض، والارتقاء بالإنسان، لذلك فإن الشعار الأجدر أن يكون: “الحياة في سبيل الله أسمى أمانينا”.

في المقابل، يزداد خطاب بعض المتحدثين باسم الحركة ارتباكاً، فمرة يُشبّه أحدهم ما يجري في غزة بإنزال الحلفاء في شواطئ نورماندي عام 1944، وهي عملية عسكرية ضخمة شارك فيها مئات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح، وامتلكت زخماً استراتيجياً قلب موازين الحرب، المقارنة هنا مغلوطة تماماً؛ إذ تحاول إسقاط حدث دولي ضخم على واقع حصار وعدوان على شعب أعزل بلا جيش ولا حلفاء دوليين. 

ومرة أخرى، يتحدث متحدث آخر عن “الندية” بين الضحية والجلاد، وكأن الفلسطينيين في موقع توازن قوى مع دولة نووية تملك أحدث الأسلحة وتحظى بدعم الغرب، مثل هذه التصريحات لا تقنع الرأي العام العالمي، بل تضعف صدقية القضية وتظهرنا وكأننا نعيش في وهم سياسي.

الكلمة في السياسة ليست زينة خطابية ولا شعارات عاطفية، بل أداة ضغط ورسالة موجهة يفترض أن تُبنى على إدراك واقعي لموازين القوى، وعلى قدرة في تحويل معاناة الشعب إلى قوة أخلاقية وسياسية تضغط على الاحتلال.

ما نحتاجه الآن يقظة وطنية حقيقية تُعيد القرار إلى صاحبه الشرعي: منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والقادرة على قيادة المعركة السياسية، وتقليل الخسائر، وتعظيم المصلحة الوطنية بعيداً عن الحسابات الفئوية والارتباطات الخارجية.

المنظمة التي حققت إنجازات سياسية ملموسة على الساحة الدولية، والتي انعكست في توالي الاعترافات بدولة فلسطين ودعم حق شعبها في تقرير مصيره. 

وهذا ما يفسر، في المقابل، إصرار الولايات المتحدة والاحتلال على محاصرة المنظمة وتقويض دورها، والسعي لعزلها، وآخر الشواهد كان رفض واشنطن منح الرئيس الفلسطيني تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو موقف لا ينتهك فقط أبسط قواعد الدبلوماسية، بل يضع الولايات المتحدة في مصافّ الدول المارقة التي تضرب بالاتفاقيات الدولية عرض الحائط.

القضية أكبر من الأيديولوجيا والشعارات، إنها معركة بقاء لشعب يريد أن يعيش، ومفتاحها القدرة على تنظيم الذات في مشروع وطني جامع يرفع قيمة الحياة فوق الموت، ويضع الوطن فوق كل اعتبار، ويحوّل دماء الأبرياء إلى قضية سياسية عادلة تجد صداها ودعمها في المحافل الدولية، فالسياسة ليست خيارًا ثانوياً، بل هي مسؤولية حياة، تتطلب يقظة وطنية شاملة، وقيادة قادرة على تحويل المأساة إلى قوة أخلاقية تُلزم العالم بالاستماع لصوت فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى