اخبار البحرين

حكاية أمواج تتراقص على أنامل الحرفيين

مسقط في 20 من يوليو/بنا/ /فانا/ تُحاكي شواطئ صور حكاية حضارة عريقة، حكاية أمواج تتراقص على أنامل الحرفيين، حكاية سفن خشبية شاهقة تشقّ عباب الماء، حاملة معها عبق التاريخ وعبق التجارة وعبق عُمان.

 

منذ فجر التاريخ، اتخذت صور مكانة متميزة في صناعة السفن، فكانت مهدًا للملاحة البحرية ومركزًا إشعاعيًّا لصناعة السفن الشراعية التي جابت أصقاع العالم، تاركة وراءها إرثًا عريقًا يشهد على براعة أبناء عُمان ومهارتهم الفائقة.

 

لم تكن صناعة السفن في صور مجرد حرفة عادية، بل كانت فنًا يتوارثه الأجيال، فنًا يمزج بين الخبرة والدقة والإبداع؛ فبأدوات بسيطة ومهارات متوارثة تمكن حرفيو صور من بناء سفن ضخمة تراوحت حمولتها بين 100 و250 طنًّا، قادرة على خوض عباب المحيط الهندي دون خوف أو وجل.

 

وما زاد من روعة هذه السفن هو بناؤها دون الاعتماد على مخططات مرسومة، بل كانت تُبنى بدقة متناهية بفضل خبرة بناة السفن الذين توارثوا أسرار هذه الحرفة جيلًا بعد جيل.

 

خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ازدهرت صناعة السفن في صور بشكلٍ ملحوظ، لتصبح من أهم مراكز هذه الصناعة في الجزيرة العربية.

 

ازدادت شهرة صور باعتبارها مركزًا تجاريًّا بحريًّا مهمًّا، إذ كانت سفنها تبحر إلى أنحاء العالم، حاملة معها بضائع عُمان من تمور ولبان وعطور وغيرها.

 

وللسفن الخشبية مواصفات تميز الواحدة عن الأخرى من حيث الشكل والحجم وغرض الاستخدام والحمولة. ومن السفن التي كانت تُصنع في صور سفن “الغنجة” التي اشتهرت مدينة صور بصناعتها، وتعد من أجمل السفن التجارية وأكبرها حجمًا، فمقدمة الغنجة مائلة يعلوها رأس بشكل قرص دائري، مع حلقات متساوية المركز، ثم تاج في أعلى المقدمة، أما مؤخرتها فتتجلى فيها إبداعات النجار العُماني من خلال النقش على الخشب، كما يظهر في القوس النصف دائري المسمى (الشانده)، وكذلك النوافذ الخمس المقصورة الدبوسة، أما ذراع الدفة فمثبت من الأسفل. وللغنجة صاريان كبيران ترفع عليهما الأشرعة، وتتراوح حمولتها بين ۱۰۰ ۳۰۰ طن.

 

وهناك أيضًا “السنبوج”، وهي من سفن النقل التجارية العُمانية الكبيرة، وتوازي سفن الغنجة من حيث الحجم إلى حد ما، وهي ذات مقدمة منحنية يعلوها طرف عريض مدبب، أما مؤخرتها فعريضة مربعة الشكل. ولا شك أن الأسطول البحري العُماني كان يتكون في معظمه من سفن الغنجة والسنبوج، حيث كانت تبحر بأشرعتها إلى الساحل الغربي للهند والساحل الشرقي لأفريقيا واليمن وبحر عُمان والخليج العربي، في رحلات تجارية تستغرق حوالي تسعة أشهر من كل عام.

 

ومن السفن أيضًا “البدن” التي تعد من أقدم السفن العُمانية، وهي صغيرة الحجم نسبيًّا ويطلق عليها أحيانًا (بدن عويسي)، وكانت تُستخدم في صيد الأسماك والتجارة البحرية، خاصة إلى اليمن والساحل الشرقي لأفريقيا. أما الأنواع الأصغر من سفن البدن فكانت تُستعمل في النقل الساحلي حول الساحل العُماني، وتتميز “البدن” بمقدمة معطوفة ومؤخرة قائمة، وتبحر باستخدام الشراع والمجاديف.

 

وهناك أيضًا “البوم”، التي تعد اليوم من أشهر السفن التجارية في دولة الكويت خاصة ودول الخليج العربي عامة، ولكن صناعتها في سلطنة عُمان بدأت متأخرة، وبالتحديد في بداية العقد السادس من القرن العشرين (١٩٥٣م). تتميز “البوم” بأنها مائلة المقدمة والمؤخرة، وأهم ما يميزها السنام المستطيل في أعلى المقدمة، وتتراوح حمولة البوم بين ۱۰۰ ٤٥٠ طن، كما أن صناعتها أسهل من صناعة سفن الغنجة والسنبوج.

 

وإضافة إلى السفن الكبيرة، كان يُصنع في صور سفن صغيرة منها “الجالبوت”، وهي سفينة تجارية صغيرة الحجم إذا ما قيست بسفن الغنجة والسنبوج، وكانت أعدادها قليلة، ومقدمة الجالبوت قائمة وتنتهي بطرف عريض ولا توجد في الجالبوت لمسات جمالية إلا نادرًا. استُخدم هذا النوع من السفن في النقل البحري الساحلي، وتتراوح حمولة سفينة الجالبوت بين ۱۰ ۱۰۰ طن.

 

كما تم تصنيع “الماشوة”، وهو القارب المرافق لسفينة الشحن الكبيرة، وهذا القارب متوسط الحجم يتم تحريكه بالمجاديف التي لا يقل عددها عن أربعة ولا يزيد على عشرين مجدافًا. تستخدم “الماشوة” حلقةَ وصل بين السفينة والشاطئ، وكلما كانت السفينة بعيدة عن الشاطئ يتوجب استخدام الماشوة لنقل البحارة والركاب والبضائع ومواد الإعاشة والنوقذة من وإلى السفينة. وإذا أبحرت السفينة، ربطت الماشوة خلفها، أما إذا كانت الرحلة طويلة فلا بد من رفعها على سطح السفينة تحاشيًا لغرقها وفقدانها.

 

كما اشتهرت صور أيضًا بصناعة سفن الصيد؛ حيث شاع استخدام “هوري الصد” على امتداد السواحل العمانية، وكان الأصلح نظرًا لكبر حجمه واستيعابه عددًا أكبر من الصيادين، وقدرته على الإبحار وسط الأمواج ولمسافات أبعد وحمل كمية أكبر من الأسماك، حيث يصل طوله إلى 8 أمتار تقريبًا وارتفاعه ١.٥ متر، وعدد بحارته بين ٤ ٦ أفراد، يستخدمون المجاديف والشراع في الرياح المناسبة.

 

يعد قارب الصيد هذا في أصله قاربًا محفورًا يستورد من “الملبار” بالهند ويتم محليًا زيادة ارتفاعه بالألواح والمسامير وتشكيل مقدمته ومؤخرته المتشابهتين.

 

كما ظهر أيضًا في ذلك الوقت “هوري آخر”، وهو هوري العبور، الذي يعد قاربًا صغيرًا محفورًا يستورد من الملبار (الهند) ولا يزيد طوله على 5 أمتار وارتفاعه ٨٠ سنتيمترًا، وكانت الحاجة إليه ماسة لخفته وسهولة تسييره بمجداف واحد أو اثنين، كما يمكنه نقل 4 أفراد للعبور من شاطئ إلى آخر أو من سفينة إلى أخرى أو لرحلة صيد قصيرة. بالرغم من الاستغناء عن القوارب الخشبية إلا أن هذا القارب لا يزال يُشاهد مبحرًا للصيد أو للتسلية أو للسباق في الوقت الحاضر.

 

ومع تغير العالم إثر الثورة الصناعية وظهور السفن الحديثة التي تعمل بالبخار والديزل، والتغيرات في أنماط التجارة العالمية، بدأ نجم صناعة السفن التقليدية بالأفول، تاركًا وراءه إرثًا عريقًا وحكايات خالدة.

 

ومع ذلك، تبقى صناعة السفن في صور رمزًا لحضارة عُمان العريقة، وشعبها المبدع، وإبداعهم في التكيف مع ظروف البيئة والبحر؛ فصناعة السفن ليست مجرد حرفة تقليدية، بل قصة إنسانية تروي حكاية شعب عشق البحر، وتحدى الأمواج، وبنى حضارة عظيمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى