هآرتس: الشرطة الإسرائيلية تتسابق على اعتقال عمال الضفة وتُهمل الجريمة

صعّدت الشرطة الإسرائيلية في الفترة الأخيرة من حملات الاعتقال التي تشتهدف الفلسطينيين المتواجدين داخل الخط الأخضر دون تصاريح إقامة أو عمل، بتوجيه مباشر من المفوض العام للشرطة، داني ليفي، الذي أمر بإعطاء الأولوية القصوى لملف الاعتقال والإبعاد.
وذكرت صحيفة “هآرتس”، اليوم الأربعاء، أن ليفي شدد في جلسات مغلقة على ما وصفه بـ”الخطر الأمني” الذي يشكّله هؤلاء الفلسطينيون، وأشار إلى “تورطهم في جرائم سرقة ومخالفات تتعلق بالممتلكات والمركبات”.
ورغم تنفيذ الشرطة لهذه التعليمات، أعرب عدد من كبار الضباط عن انتقادات داخلية، معتبرين أن تركيز الجهود على هذا الملف “يأتي على حساب مكافحة الجريمة” التي تتصاعد في المجتمع العربي. فيما شددت هيئة الدفاع العام على أن هذه السياسة “لا تعالج الظاهرة بفعالية”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول في الشرطة قوله إن توجيهات ليفي “أثارت منافسة بين كبار الضباط والناطقين الإعلاميين على إصدار أكبر عدد من البيانات حول توقيف فلسطينيين دون تصاريح”، في منافسة داخلية في الشرطة على عدد المعتقلين.
وأضاف “يتم استثمار جهود في هذا الملف كما لو كان الأهم، فقط لأن المفوض العام يراقب النتائج”. ولفتت الصحيفة إلى أن قائد شرطة منطقة تل أبيب، حاييم سيرغروف، ينشر بشكل يومي أوامر إغلاق لمصالح ومواقع بناء يعمل فيها فلسطينيون بلا تصاريح.
كما تسعى قيادات الشرطية في مناطق أخرى إلى تحقيق أهداف التوقيف والاعتقال التي وضعها ليفي. وبحسب معطيات الشرطة، تم توقيف 4,153 فلسطينيًا منذ مطلع العام الجاري، وفتح ملفات تحقيق ضد معظمهم الأمر الذي يستنزف موارد وطاقة الشرطة.
شرطة تل أبيب تغلق شقة سكنية في كريات أونو، حيث تم تشغيل عامل ترميمات فلسطيني “دون تصريح” (تصوير: الشرطة الإسرائيلية)
ووصف ضابط آخر في الشرطة هذه التوجيهات بأنها “استغلال غير فعّال للموارد”، قائلاً إن “العمال غير حاصلين على تصاريح كانوا دائمًا موجودين وسيظلون، ومن يركّز عليهم إنما يحسّن إحصاءاته فقط، فهذا هو الأسهل”.
وأكد أن “المنافسة بين قيادات المناطق المختلفة في الشرطة باتت واضحة، بعدما كان الملف سابقًا من اختصاص قوات ‘حرس الحدود‘، وأصبح اليوم من صلب عمل مراكز الشرطة”؛ وأفاد بأن ذلك يؤدي كذلك إلى خسائر بشرية، وفي إحدى الحالات التي تكررت في الأشهر الماضية، قُتل عامل فلسطيني قبل نحو ثلاثة أسابيع خلال مطاردة للشرطة بعد أن قفز من الطابق الخامس في ورشة بناء، كان يعمل فيها بدون تصريح.
ورغم العدد الكبير من حالات التوقيف، يُفرج عن العديد من الفلسطينيين لاحقًا إما في مراكز الشرطة أو بأوامر من المحاكم بعد فترة قصيرة من الاحتجاز. فعلى سبيل المثال، اعتقلت شطرة تل أبيب عشرة فلسطينيين يعملون في مجمع تجاري قرب غليلوت، لكن خمسة فقط منهم وُجّهت لهم لوائح اتهام، فيما رُحّل الآخرون إلى الضفة الغربية.
وذكرت “هآرتس” أن قضاة في محاكم الصلح أعربوا، في جلسات مغلقة، عن استيائهم من قيام الشرطة بالإفراج عن بعض المعتقلين من تلقاء نفسها لنقص الأدلة. ونقلت عن أحد القضاة قوله: “بعد يومين ألتقي بالشخص نفسه خارج السجن”، ما يدل على أن عمليات الاعتقال تأتي في إطار سياسية إعلامية للشرطة بتوجيه من الوزير المسؤول عنها، إيتمار بن غفير.
وفي ظل التكدّس في السجون ومراكز الاعتقال مع تصاعد عمليات الاعتقال منذ بداية الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انتقدت سلطة السجون السياسة الشرطية، موضحة أن عدد المحتجزين تجاوز حاليًا 22 ألفًا، بينما القدرة الاستيعابية القصوى لا تتعدى 14,500.
وبسبب هذا الاكتظاظ، تضطر السلطات إلى تقصير فترات اعتقال العمال غير الحاصلين على تصاريح. وقال مصدر من سلطة السجون، خلال نقاشات مغلقة، أن “إطلاق سراح أسرى سابقين ضمن صفقات التبادل لم يؤثر على الاكتظاظ، لأن أماكنهم سرعان ما تُملأ بمعتقلين جدد”.
من جانبه، قال مدير قسم تمثيل الأسرى في هيئة الدفاع العام الإسرائيلية، إن “الاعتقالات تسبب ضررًا أكثر من الفائدة، ومنظومة السجون الإسرائيلية تمرّ بأزمة حادة منذ فترة”. وأضاف أن عدد الأسرى والمعتقلين ارتفع بنحو 8,000 عن الحد المسموح به منذ بداية الحرب”.
وتابع “ظروف الاعتقال ساءت بشكل كبير، وبعض المعتقلين ينامون على الأرض بسبب الاكتظاظ”. وقال إن على الدولة البحث عن بدائل للتعامل مع الظاهرة بفعالية، مشيرًا إلى أن “تكاليف الإجراءات القانونية ضد هؤلاء العمال مرتفعة، لكنها لا تحل المشكلة من جذورها”.
ونقل المصدر نفسه عن زميل له في هيئة الدفاع العام التابعة لوزارة القضاء الإسرائيلية، قوله إن “هؤلاء أناس يأتون لإطعام أطفالهم وسط أزمة اقتصادية خانقة، ويجب منح التصاريح لمن يستحقها”.
ووفق تقديرات وحدة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، يتراوح عدد الفلسطينيين المقيمين داخل إسرائيل دون تصاريح ما بين 40 إلى 50 ألف شخص.
فيما قال مصدر في الشرطة إن العدد يصل إلى نحو 35 ألفًا. في حين يحمل نحو 7,000 فلسطيني من سكان الضفة الغربية المحتلة، تصاريح عمل قانونية داخل إسرائيل.
وأشار ضباط في الشرطة إلى أن دخول الفلسطينيين من دون تصاريح يتم عبر “ثغرات في جدار الفصل، أو بالقفز فوق الجدار في مناطق القدس”.
وقال مسؤول في الشرطة إنه “حتى اليوم، لا تملك إسرائيل سياسة واضحة في هذا الملف، إذ يجري التغاضي عنه بحجة دعم الاقتصاد الفلسطيني”، واستدرك قائلا: “عندما ينفّذ عامل غير قانوني عملية أو جريمة، تُلقى المسؤولية على الشرطة فورًا”.