القناعة.. فضيلة وثقافة نحتاجها

ت + ت الحجم الطبيعي
إذا حاول كل واحد منا الانشغال بنفسه واحتياجاته وأسرته وحياته، بدلاً من مراقبة الآخرين والنظر نحو ما يملكون، حتماً سوف تسود فضيلة القناعة بيننا، ولن نحتاج العيش في أجواء تملؤها الغيرة والتملك والأنانية.
بالفعل في أحيان تكون السعادة بين يدينا، لكننا ننساها، وكما قال السينمائي الشهير لارسون دوغ: «في العالم كثيرون يبحثون عن السعادة، وهم متناسون فضيلة القناعة».. إن مصادر تلك المنغصات الحياتية ماثلة وواضحة في حياتنا، ولكن أن نجعلها بتلك الانهزامية، ونسحبها لعالم من التصورات المدمرة، أمر غير مقبول، كلنا لدينا أحلام وأمنيات وآمال ورغبات متنوعة، وقِس على هذا الكثير من الأمنيات التي نرغب بها ولا نستطيع الحصول عليها.
أتذكر كلمات الأديب والشاعر عباس محمود العقاد، والتي قال فيها: «صغيرٌ يطلبُ الكِبرا، وشيخٌ ودّ لو صَغُرا.. وخالٍ يشتهي عملا، وذو عملٍ به ضَجِرا.. ورب المال في تعب، وفي تعب من افتقرا.. وذو الأولاد مهمومٌ، وطالبهم قد انفطرا.. ومن فقد الجمال شكى، وقد يشكو الذي بُهِرا.. ويشقى المرء منهزماً، ولا يرتاح منتصرا.. ويبغي المجد في لهفٍ، فإن يظفر به فترا.. شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ، سوى الخصمين إن حضرا.. فهل حاروا مع الأقدار، أم هم حيروا القدرا؟».
لقد استطاع الشاعر في شعره أن يختصر فضيلة القناعة وهي المفردة التي تناولتها الشعوب والمجتمعات، وحثت عليها جميع الثقافات بالقول والفعل، فالقناعة ثقافة والإيمان بها سوف يجلب الراحة النفسية والجسدية والصحية، فالقناعة كنز لا يفنى، ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا خلصت نفسك من كمّ الأمنيات التي لا يمكن أن تتحقق وركزت على السعادة في حياتك، فعندما نفقد القناعة، فإننا نبدأ بالغرق في الكثير من الأمنيات والتساؤلات، والنظر للآخرين.. لماذا فلان لديه سيارة فارهة؟ لماذا يمتلك منزلاً أكبر؟ لماذا يسافر فلان كل عام مع أسرته؟ وغيرها من التساؤلات والملاحظات التي تبث الإحباط واليأس في النفوس، وتجلب لكل من يمارسها ويلات الألم؛ لأنه سيجلب لنفسه كل مصيبة.
الكثير منا يتذمرون ويبكون ويتألمون، بل قد يصلون للدخول في حالة نفسية، والسبب لأنهم يشاهدون ما بين يدي الآخرين بشغف، يرغبون بالحصول على كل شيء، قِس على ذلك قائمة طويلة من المشاهد الاجتماعية التي نراها يومياً، فيها الكثير من استراق النظر والحسد والرغبة فيما بيد الآخرين، إن القناعة ثقافة يمكنك أن تتعود عليها وتترك ما لا تحتاجه. يقول الروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست: «رحلة الاستكشاف الحقيقية لا تستلزم الذهاب لأراض جديدة، بل تستلزم الرؤية بعيون جديدة».
إذاً، أتوقع نحن بحاجة لاستكشاف أنفسنا والبحث عن جمالية الحياة، فالسعادة موجودة في بيوتنا بين أسرنا وحاجياتنا وأغراضنا، السعادة في الرضا والتسامح والمحبة والتعاون واحترام الوالدين وصلة الرحم، فلماذا نبحث عنها في حديقة الآخرين! نصيحة، لا تجلب لنفسك المرض والهم والكآبة، بترك العنان لقلبك وعقلك، فكلما شاهدت شيئاً ما تتمناه تذكر ما تملكه، وتذكر قول الكاتب إبراهيم الفقي: القناعة أهم أسباب السعادة، لأنها تجعلك ترى الحياة جميلة.